فخر الدين الرازي

40

تفسير الرازي

احتال في دفع ذلك فقال إن قوله : إن الذين كفروا لا يؤمنون كالنقيض لقوله : إن الذين كفروا يؤمنون ، وقوله : إن الذين كفروا يؤمنون لا يصدق إلا إذا آمن كل واحد منهم ، فإذا ثبت أنه في جانب الثبوت يقتضي العموم وجب أن لا يتوقف في جانب النفي على العموم بل يكفي في صدقه أن لا يصدر الإيمان عن واحد منهم ؛ لأنه متى لم يؤمن واحد من ذلك الجمع ثبت أن ذلك الجمع لم يصدر منهم الإيمان ، فثبت أن قوله : إن الذين كفروا لا يؤمنون يكفي في إجرائه على ظاهره أن لا يؤمن واحد منهم فكيف إذا لم يؤمن الكثير منهم والجواب : أن قوله : * ( إن الذين كفروا ) * صيغة الجمع وقوله : * ( لا يؤمنون ) * أيضاً صيغة جمع والجمع إذا قوبل بالجمع توزع الفرد على الفرد فمعناه أن كل واحد منهم لا يؤمن وحينئذٍ يعود الكلام المذكور . المسألة الرابعة : اختلف أهل التفسير في المراد ههنا بقوله : * ( الذين كفروا ) * فقال قائلون : إنهم رؤساء اليهود المعاندون الذين وصفهم الله تعالى بأنهم يكتمون الحق وهم يعلمون ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ، وقال آخرون : بل المراد قوم من المشركين ، كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم ، وهم الذين جحد وأبعد البينة ، وأنكروا بعد المعرفة ونظيره ما قال الله تعالى : * ( فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ) * ( فصلت : 4 ، 5 ) وكان عليه السلام حريصاً على أن يؤمن قومه جميعاً حيث قال الله تعالى له : * ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً ) * ( الكهف : 6 ) وقال : * ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) * ( يونس : 99 ) ثم إنه سبحانه وتعالى بين له عليه السلام أنهم لا يؤمنون ليقطع طمعه عنهم ولا يتأذى بسبب ذلك ، فإن اليأس إحدى الراحتين . أما قوله تعالى : * ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف * ( سواء ) * اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر منه قوله تعالى : * ( تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ) * ( آل عمران : 64 ) * ( في أربعة أيام سواء للسائلين ) * ( فصلت : 10 ) بمعنى مستوية ، فكأنه قيل إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه . المسألة الثانية : في ارتفاع سواء قولان : أحدهما : أن ارتفاعه على أنه خبر لأن و * ( أنذرتهم أم لم تنذرهم ) * في موضع الرفع به على الفاعلية ، كأنه قيل ، إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه كما تقول : إن زيداً مختصم أخوه وابن عمه . الثاني : أن تكون أنذرتهم أم لم تنذرهم في موضع الابتداء وسواء خبره مقدماً بمعنى سواء عليهم إنذارك وعدمه والجملة خبر لأن ، واعلم أن الوجه الثاني أولى ؛ لأن " سواء " اسم ، وتنزيله بمنزلة الفعل يكون تركاً للظاهر من غير ضرورة وأنه لا يجوز ، وإذا ثبت هذا فنقول : من المعلوم أن المراد وصف الإنذار وعدم الإنذار بالاستواء ، فوجب أن يكون سواء خبراً فيكون الخبر مقدماً . وذلك يدل على أن تقديم الخبر على المبتدأ جائز ، ونظيره قوله تعالى : * ( سواء محياهم ومماتهم ) * ( الجاثية : 21 ) وروى سيبويه قولهم : " تميمي أنا "